محمد بيومي مهران
166
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
من الخلق إلى الإحاطة بكل شيء علما ، وقتل كل موجود فقها وفهما ، وقد كان طلب الخليل عليه الصلاة والسلام رؤية كيفية إحياء الموتى بعينيه من هذا القبيل ، فهو طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه القدسية من معرفة خفايا أسرار الربوبية ، لا طلب للطمأنينة في أصل عقد الإيمان بالبعث الذي عرفه بالوحي والبرهان ، دون المشاهدة والعيان « 1 » . وفي صفوة التفاسير : سؤال الخليل ربه بقوله « كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » ، ليس عن شك في قدرة اللّه ، ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ، ويدل عليه وروده بصيغة « كيف » ، وموضوعها السؤال عن الحال ، ويؤيد المعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « نحن أحق بالشك من إبراهيم » ومعناه : ونحن لم نشك فلأن لا يشك إبراهيم أحرى وأولى « 2 » . وهكذا كان إبراهيم عليه السلام ، كما يقول صاحب الظلال ، ينشد اطمئنان الأنس إلى رؤية يد اللّه تعمل ، واطمئنان التذوق للسر المحجب ، وهو يجلي ويتكشف ، ولقد كان اللّه يعلم إيمان عبده وخليله ، ولكنه سؤال الكشف والبيان ، والتعريف بهذا الشوق وإعلانه ، والتلطف من السيد الكريم الودود الرحيم ، مع عبده الأواه الحليم المنيب ، ولقد استجاب اللّه لهذا الشوق والتطلع في قلب إبراهيم ، ومنحه التجربة الذاتية المباشرة قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، وهكذا أمر اللّه إبراهيم أن يختار أربعة من الطير ، فيقربهن منه ويميلهن إليه ، حتى يتأكد من شياتهن ومميزاتهن التي لا يخطئ معها معرفتهن ، وأن يذبحهن ويمزق أجسادهن ، ويفرق أجزاءهن على الجبال المحيطة ، ثم يدعوهن فتتجمع أجزاءهن مرة أخرى ، وترتد إليهن الحياة ، ويعدن إليه ساعيات ، وقد كان طبعا .
--> ( 1 ) تفسير المنار 11 / 46 . ( 2 ) صفوة التفاسير 1 / 167 .